ابن عربي

166

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الآية ، وقد شهد اللّه للملائكة بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فقد كذب هؤلاء المفسرون ربهم في قوله في حق الملائكة ، قال تعالى : « وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ » من علم السحر الذي مزجوه بما أنزل على الملكين هاروت وماروت من علم الحق « وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا » له « إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ » فإن مقلوب الحمد كفر وهو الذم « فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما » أي من العلمين « ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ » وهو القدر من السحر الذي يعطي التفرقة ، واللّه قد كره ذلك وقد ذمه ، وندب إلى الألفة

--> وجبريل صاحب العذاب والشدائد ، وميكائيل صاحب الخصب والخير فيما يزعمون ، فكل واحد منهما عدو للآخر ، فأخبر تعالى أنهم إن صدقوا ، فإنهم عدو للاثنين معا ، ومن كان عدوا لهما فهو عدو للّه وملائكته ، فيكون اللّه عدوا له وللكافرين ، وتنزيل صورة العداوة منهم لجبريل وميكائيل ، أنهم يريدون بالمؤمنين إنزال العذاب عليهم بالجوع ونقص من الثمرات ، فيرون الخصب فيهم والخير لهم ، وذلك بيد ميكائيل فيكونون عدوا له لأنه أنعم على أعدائهم ، ويرون ما نزل بهم من رفع الطور والصاعقة وغير ذلك وهو من جبريل ، فهم أيضا عدو له ، فلذلك قال تعالى « من كان عدوا للّه وملائكته وجبريل وميكال » فخصهما بالذكر مع دخولهم في عموم ملائكته « فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ » الفاء جواب من ، ثم قال ( 100 ) « وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ » يعني في القرآن ، تظهر صدقك في أنك نبي « وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ » الخارجون عن أمر اللّه من أهل الكتب ، حيث أمرهم اللّه في كتبهم أن يؤمنوا بك وبما أنزل إليك فعصوه ، وخرجوا عن أمره ، وهو الفسوق ، والفسوق الآخر في حق الذين خرجوا عما تعطيهم دلالات المعجزات من التصديق بمن جاء بها فلم يؤمنوا ، والفسوق الثالث من المقلدين حيث مكّنهم اللّه من النظر والبحث بما أعطاهم من العقل والفكر فلم يفعلوا وقلدوا ، فهؤلاء أيضا فسقوا أي خرجوا عما تقتضيه عقولهم من أن يكونوا علماء بما هم فيه مقلدون ، فعمّ الفسوق جميع الفرق ، وهذا من جوامع الكلم ، ثم قال ( 101 ) « أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ » هو قوله ( ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) فأخبر تعالى أنه أخذ عليهم مواثيق مرارا ونكثوا عهد اللّه مرارا ، فقد يكون المعنى ( وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ) أي إلا الذين فسقوا ونقضوا عهد اللّه ، وأو بمعنى الواو العاطفة المعنى ، وكلما عاهدوا عهدا مع اللّه ورسوله نبذه أي رمى به فريق منهم « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » يريد المقلدين لعلمائهم ، فإن العلماء قليلون والمقلدين كثيرون ، فالمقلد ليس بموقن حقا ، وعالمهم ليس كذلك فإنه يعرف الحق ولا يقول به ويكتمه عن المقلد له ، فيتضاعف العذاب على العالم ، فإن عليهم إثم البرسيين وهم الأتباع ، ثم قال ( 102 ) « وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » يريد